:السيرك السياسي والانتهازية الثورية

محمد المليجي يكتب :السيرك السياسي والانتهازية الثورية
لعن الله السياسة .. ، ما تركت شريفا إلا ولوثت رداءه السياسي، وما تركت وطنيا إلا وصبغته بانتهازيتها وبراجماتيتها ..
كانت الأوضاع قبل ال 25 من يناير ومنذ ثورة يوليو عبارة عن فصيل واحد يسيطر على الحكم ويسخر أجهزة الدولة فى الترويج له وخداع المواطن بإنجازات لم تكن على أرض الواقع بل إنها وصلت إلى إقناعهأن مصر قادرة على هزيمة العدو الصهيوني فكانت الحقيقة صادمة للجميع ، فكان الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب هو المتنفس الوحيد لممارسة السياسة (الموجهه) فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر.
ومع توالي الأحداث والأنظمة استطاع نظام الرئيس السادات فى فتح صفحة جديدة للعمل السياسي ولكن ظلت فكرة التوازنات كماهي، فكان خروج الجماعات الإسلامية من السجون والسماح لها بالعمل السياسي في الجامعة وغيرها ماهو إلا توازن للقوي مع التيار اليساري فى ذلك الوقت وشباب الناصريين فما كان من هذا التفكير إلا أن قضى السادات على نفسه بنفسه .
ثم جاءت فترة حكم الرئيس المخلوع حسنى مبارك بمنهج مختلف في السياسة وهي صنع (المعارضة المستأنسة) والتى وجدت أرضا خصبة فى مجتمع كمجتمعنا فى وسط سياسيين وافقوا على أن يؤدوا دور الكومبارس فى مسرح السياسة حتى تكتمل الصورة التى يريد النظام ان يصدرها للغرب، حتى الفصيل الوحيد الذى عول علية الجميع قيادة المعارضة وإحداث التغيير (جماعة الإخوان) اكتشف الجميع بعد فترة أنه تيار تمكيني وليس إصلاحي يسعى للتغيير من خلال السيطرة على مؤسسات الدولة لصالح الجماعة شيئا فشيئا، وكانت خطة فتح مصر وقضية سلسبيل الخاصة بالمهندس خيرت الشاطر في1992 ثم جاءت انتخابات الرئاسة فى 2005 وعدم دعم الجماعة للمرشح المعارض الوحيد وقتها د. أيمن نور لتأتي بعدها صفقة انتخابات مجلس الشعب 2005 وحصول جماعة الاخوان على 88 مقعد كصفقة بين الدولة والجماعة، كشف عنها د. محمد حبيب مسئول ملف الانتخابات وقتها، إلى أن جاءت انتخابات المجلس التشريعي 2010 والتى طلب الدكتور البرادعي من المعارضة المصرية عدم المشاركة فى هذة المسرحية وعدم إعطاء النظام الشرعية التى يريدها أمام العالم فكان تزوير إنتخابات مجلس الشعب 2010 بهذا الفج هو إستعداد للجميع ضد النظام القائم ، اللهم الا بعض الحركات المعارضة التى ظهرت على الساحة خلال تلك الفترة وخاصة بعد وضوح مشروع توريث جمال مبارك فكانت حركة (9 مارس) وحركة كفاية والراحل عبدالوهاب المسيري وحركة شباب 6 ابريل إنتهاءاً بالجمعية الوطنية للتغيير برئاسة الدكتور محمد البرادعي .
كل هذة الأسباب كانت سببا مباشراً فى دفع الشعب وخاصة الشباب إلى ترك العمل السياسي في ظل هذا الوضع الفاسد والبيئة التعفنة بالمصالح والصفات والنزول مباشرة إلى الشارع والحديث عن القضايا التى تهم رجل الشارع البسيط ، فكانت النتيجة أن ابتعد الشباب عن هذا المستنقع الرديء الذى ما ترك أحداً الا ولوثهوأحدث ثورة عظيمة انحاز اليها الشعب وتفهمت مطالبها المشروعة القوات المسلحة واستطاع ان يغير النظام الحاكم فى 18 يوم وكان يأمل ان تكون نتيجة التغيير تغييراً أخلاقيا وسلوكيا ، تغييراً يُرغب المواطن فى أن يمارس حقوقة القانونية والدستورية في التعبير والتأييد والاعتراض دون ان يتم ابتزازة سياسياً او يمارس علية أرهاب فكري باسم الدين او توزيع صكوك الوطنية باسم الثورة، أن يكون هذا التغيير وأخلاق ال 18 يوم بداية لثورة حقيقة وشراكة وطنية يتكاتف فيها الجميع لإصلاح ما أفسده الدهر.
ولكن أصبح الجميععلى الساحة السياسية والحزبية يمارسون السياسة بمفهوم "الخصومة" ، لا مفهوم "المصلحة الوطنية"، ويغلبون اعتبارات الأحزاب والتيارات السياسية والجماعات وأولوياتها وبرامجها على أولويات الوطن وهموم البسطاء وأهداف الثورة وتطلعات الشباب ، فالسياسة لدينا أصبحت حالة من الانتهازية الدائمة ، والمجال السياسي تحول بفضل الجميع (بلا استثناء) إلى حلبة للاستعراض، وتحول الساسة والنخب إلى بهلوانات يتقافزون على جميع الحبال ويلعبون بجميع الأدوات، وتحول المواطنون من جديد إلى متفرجين بعد أن استطاعت الثورة أن تستقطبهم لساحة المشاركة والعمل العام ظنا منهم أن الوضع قد تغير وأنهم قادرون على تخطيط واقعهم ورسم مستقبلهم بأيديهم، وأصبحنا ندور في دائرة مفرغة ، فبات التخوين هو "المشترك السياسي" بدلا من "التوافق الوطني" ، وأصبحت "مقاعد السلطة" هي الهم الأكبر والشغل الشاغل بدلا من "المشروع الوطني" ، وأصبح "التكفير والإقصاء" هو ما يبدع فيه أنصار كل فريق ، و"اللعب على أوتار الدين" هو العملة الرائجة في زمن التخلف الفكري والجهل، وتحول الوطن إلى مرقص سياسي يتمايل فيه الجميع.
ولا أحد ينرك ان استقالة الدكتور محمد البرادعي من منصب نائب رئيس الجمهورية بعد فض اعتصام رابعة كان سبباً مباشراً فى ابتعاد كثير من شباب حزبة والتيار الذي أسسه عن الساحة السياسية رغم انهم كانوا وقود اساسي لثورة 25 يناير وما قبلها وحتى الموجة الثورية الثانية فى 30-6 ربما بسبب التشوية الذي تعرض له و لرفضة لكثير من الممارسات التى تمارسها السلطة الحالية من تشوية كل من ينتمي لثورة 25 يناير ايماناً وعقيدة وحبس كثير من الشباب واصدار قانون معيب يسمي بقانون تنظيم التظاهر ، لا أعفي كثير من الشباب الذين حاولوا ان يجعلوا من الثورة ديناً كل من يخالف فى الاولوية او الوسائل يتحول لارهاب فكري باسم الوطنية وتوزيع صكوك الثورة وكانها لم تقم من الاساس بهدف ارساء حرية الراي والعقيدة والتعبير بدون ان يمارس اى ارهاب فكري او تضييق على أحد .
مصر تحتاج إلى فكر جديد وطاقات شابة مهيئة للعمل السياسي والحزبي فى ظل حالة التخبط التى تشهدها الساحة السياسية والأحزاب والنخب على اختلاف توجهاتها وأيدلوجياتهاوفق نظريات سياسية واقتصادية واقعية قابلة للتطبيق بعيدا عن حشر الدين والشريعة لأن مصر دولة مسلمة وشعبها لايحتاج بعد كل هذه السنين إلى رئيس يعلمه الدين (حيث يأتى اللعب على أوتار الدين والتدين والجنة والنار والأخره ونعيمها، وأعادة تأويل وتفسير وشرح الآيات الدينية على هوى البعض وكما يوافق أهدافهم ومخططاتهم المسبقة كأسرع وسيله على الإطلاق لتحقيق الأهداف السياسية في السيطرة الكاملة) .

هذه التدوينة قابلة للنسخ اذا اعجبتك قم بنسخ الرابط من تلك الروابط الثلاثة ولصقة بموقعك

URL: HTML link code: BB (forum) link code:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة | جميع محتويات المدونة لا تنتهك حقوق الملكية © 2014 مدونة ايام سودة